Baghdadi Love

كنا في صيف كل عام أو خريفه نذهب إلى سوريا للسياحة فيها أسبوعاً أو نحواً من أسبوع. ولكن في أحد الأيام عند نهاية التسعينات راودنا خاطرٌ آخر أنا وجدتي رحمها الله. فقد رأينا في إحدى الصحف القديمة ونحن نضع أطباق الطعام عليها، رأينا خبراً عن عودة الحياة لخط سكك الحديد بين مدينتي حلب في شمال سوريا والموصل في العراق.

وقد كنا حتى ذلك العام نزور حلب تقريباً مرة أو أكثر كل عام، فعرفناها جيداً. أما الموصل، فكانت مدينة لم نرها إلا في مخيِّلتنا عبر كتب الأدب وآثار السابقين أو ربما على صفحات مجلة “العربي” الكويتية. وكانت أمي قد اشترت لي قبلها بسنوات قصة أدبية للأطفال عن بطل عراقي بعنوان “حميد البلام.” وقد أثرت هذه القصة فيّ كثيراً لأني كما الأطفال في القصة ذاتها أولعت بشخصية البطل الغامض الذي ولد في مدينة الموصل. وكانت القصة قد وصفت الموصل وصفاً جميلاً وأضافت الرسوم المصوّرة مزيداً من الرونق. لذلك عندما رأيت اسم الموصل في الجريدة، تحمّست كثيراً وفكّرنا أنا وجدتي أن علينا أن نستغل الفرصة لنزور العراق قبل أن تشنّ عليه حرب أخرى.

كان وضع العراق سيئاً حينها بعد سنوات قليلة من حرب الخليج الأولى. ولكن جدّتي كانت تخبرني قصصاً تسيل اللعاب عن العراق. فالحواديت تروي أن العراقيين أثرياء جداً، نساؤهم مجللاتٌ بالذهب والحلي، وعُملتهم أفضل من الدولار الأمريكي بعشرات المرات. وتقول السير ذاتها أن العلم والطبابة عندهم بالمجان للإنسان العربي. وكانت أجمل الأخبار بالنسبة لي وأنا المولعة بالقصص والقراءة أنك لن تسأل في العراق عن كتاب من كتب الأقدمين أو المعاصرين إلا ووجدت له ترجمة عربية ممتازة. هذا كان في سير ما قبل الحرب. أما بنهاية التسعينات، فلم يكن الجيش الأمريكي وحلفاؤه قد وفروا سلاحاً إلا وجرّبوه في أطفال العراق. ومن لم يمت منهم بهذا السمّ مات بغيره، لنقص الغذاء والدواء بسبب الحصار. ثم انخفضت قيمة الدينار كثيراً وتحوّل عديدٌ من ميسوري الحال إلى عكس ذلك. لم تكن بغداد نهاية التسعينات هي ذاتها بغداد المأمون والحكمة، ولا بابل نهاية التسعينات هي ذاتها بابل الحدائق الغنّاء. كان عراق نهاية التسعينات عراقاً حزيناً.

لهذا كلّه لم نحصل على إجماع العائلة في أن نركب القطار من حلب إلى الموصل. وربما ركبنا في ذلك العام القطار من حلب إلى اللاذقية كتعويض لا بأس به لـ “رحلة في القطار”.

عندما بدأت العمل في قناة الجزيرة عام ألفين وخمسة، تعرّفت لأول مرّة إلى أشخاص حقيقيين من العراق. أقول حقيقيين لأن العراق حتى ذلك الحين كان لا يزال طيفاً في خيالي وحلماً لم يحصل وزيارة “راحت علينا” وربما لن تعود. كان عراق ٢٠٠٥ أحزن كثيراً حتى من عراق نهاية التسعينات. وإني عندما وجدت العراقيين وكانوا أسياد العالم في خيالي، وجدتهم يعملون عند أسياد آخرين، طفت في نفسي الأشجان وعزّ ذلك عليّ كثيراً وشعرت لأول مرة بمدى الإجرام الأمريكي تجاه الأحياء من شعب العراق. وقد فتّشت حينها على الشبكة العنكبوتية عن تراث عراقي قصصي وموسيقي وأدبي وغيره، وعزمت أن أنتج وثائقياً عن اللجوء العراقي في بلاد الشام.

ومن بين ما حصلت عليه أغنيةٌ كانت ظريفةً جداً حتى عام ألفين وعشرة ومليئة بالأمل. أما اليوم فهي أغنية حزينة،حزينة، حزينة -ليس لأنها تبكي العراق، بل لأنها تغنّي سوريا في شخص الزوجة الحبيبة.

كلماتها تحكي باقي الحكاية -واللبيب من الإشارة يفهم.

الأغنية من كلمات الأستاذ “ضياء الميالي“ وغناء الأستاذ “علي العيساوي” وألحان السيد”نصرت البدر” وتُقرأ باللهجة العراقية الحبيبة.

“راح اتجوز سورية

آخذها معاي لبغداد

أخلف منها بنية

اخوان الها اثنين اولاد

أحضنها وعلى ايدي تبات

ما نهتم للتفجيرات

متل العاب النارية

بليلة عيد الميلاد

بالحب نغير الدنيا

ونغير طعم الأيام

نجيب الوردة ونسقيها

نزرعها بدل الألغام

ماكو هموم وماكو دموع

حفلتنا نساويها اسبوع

متل العاب النارية

نص ليلة عيد الميلاد

تشاركني بالحب هي

عالحلوة والمرة وياي

من اعطش تشعر بيّا

بايديها تسقيني الماي

نتعاون، ما نشكي الحال

ونعلّم حتى الاطفال

شلون يحبون الدنيا

ويموتون بحب بغداد”

Author: Niam

Filmmaker/Digital Nomad/Storyteller

What do you think? Please leave a comment! :)

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s